شبكة منبر الحقيقة

مقالات

شيخنا الجليل.. اتق الله، ورحمة بالأمة

سميرة رجب/البحرين

ربما من أفضل ما يمكن أن ينعت به سلوك الشارع الإسلامي السني بأنه لا يلغي عقله ولا ينقاد بيسر إلى مرجعياته الدينية الجالسة على منابر وعروش الفتاوى، وبالخصوص فيما يتعلق بالشأن السياسي ومصير الأمة، ولهذا كثيراً ما يتلقى المسلمون تصريحات أو فتاوى بعض من شيوخ الأزهر بالآذان الصماء، أو بالاحتجاج والتظاهر في الشوارع طلباً للتراجع عنها، لكون هذا البعض من الشيوخ، الذين أهانوا مكانة الأزهر الروحية عند المسلمين، كثيراً ما جيّروا أنفسهم ومواقعهم ورتبهم الدينية لتنفيذ أوامر القيادات السياسية والحكومات العربية التي لم تحقق لشعوبها حياة كريمة، وسمحت لأعداء الإسلام بالتحكم في شؤون المسلمين والنيل من كرامتهم. وهكذا جاء رد الشارع العربي، بالاستياء والآذان الصماء، على التصريحات الأخيرة لشيخ الأزهر، محمد طنطاوي، الذي سمح لنفسه أن يحقق مطلباً أمريكياً بائسا، ويحوّل مؤسسة الأزهر الشريف إلى بوق للإعلام الصليبي..

فشيخنا الجليل، وبعد طول سكوت على الجرائم الأمريكية في العراق، يكرر صدى صوت الإدارة الأمريكية وإعلامها، مفتياً من منبره الإسلامي المهيب بأن ما يحدث في العراق هو "قتل وتفجير وتدمير وليس جهادا"، وليس هذا فحسب بل إنه صرّح بأن العراقيين قد رحبوا بالأمريكان وقوات التحالف "لأنهم خلصوهم من نظام صدام".. من دون أن يذكر أن تلك الحرب العدوانية الأمريكية قتلت مائة ألف عراقي مدني في حرب العشرين يوما، حسب تقرير (مركز هوبكنز للدراسات الاستراتيجية).. كما نسى أيضاً أن يذكر أن الأمريكان منذ إعلانهم انتهاء تلك الحرب العدوانية وحتى اليوم، أي في ثمانية عشر شهراً فقط، قد قتلوا ما يزيد على مائة ألف عراقي آخرين، وفتحوا عشرات المعتقلات على أرض العراق وزجوا بها ما يزيد على خمسة عشر ألف عراقي وعراقية..

ويبدو أن شيخنا وهو في منبره العالي لم يصل إلى مسامعه صرخات العراقيات من داخل السجون الأمريكية على أرض الخلافة العباسية ينادين بهدم السجون عليهن وعلى سجانيهن الأمريكان رحمة بهن لما يلاقين من معاناة التعذيب والإذلال والاغتصاب.. إنهن حرائر الإسلام والمسلمين في معمورية الروم ينادين وامعتصماه، واعرباه، وا إسلاماه يا شيخنا الجليل.. أفلا يستحقن منكم فتوى تهز الضمير الإسلامي وتحرك الشارع العربي.

إلا أن تصريح شيخنا الجليل الذي يوَلّد الاستياء والغضب في جانب منه، فإنه في الجانب الآخر يؤكد انتصارات المقاومة العراقية والشعب العراقي على الغزاة والمحتلين، إذ أن اللجوء إلى هذه الأدوات الدينية التقليدية والبائسة التي بيد حكوماتنا العربية لهو أكبر دليل على هزيمة الأمريكان في العراق. فهم بكل ما يملكون من عدة وعتاد، وأحدث أنواع التكنولوجيا وأكثرها تطوراً في طرق القتل والتدمير، لم يتمكنوا من تحقيق أي نصر هناك، ووقفوا عاجزين أمام الشعب العراقي الذي يقدّم الروح فداء للأرض والعرض والكرامة.. فعجزهم ويأسهم هذا هو ما اضطرهم للجوء إلى أنظمتنا التقليدية لاستخدام أسلحتهم التقليدية.. ففي ساعات اليأس والهزيمة يأتي دور سلاح ترهيب الناس بالفتاوى الدينية، ولكنهم لا يعلمون أن هذا النوع من الفتاوى الموالية للأنظمة وأعداء الإسلام لا يرهب إلا ضعيفي الإيمان بالله وكتابه وشرائعه، فما يحلله الله لا يحق لإنسان على الأرض أن يحرّمه، حتى لو كان هذا الإنسان شيخ الأزهر.

وأخيرا، لربما استطاع شيخنا الجليل أن يفيدنا بمفهوم الجهاد ومعناه، فإن لم تكن مقاومة العدو الكافر المحتل والمعتدي على الأرض والمنتهك للعرض جهادا، فما هو الجهاد إذاً؟!..

وإن لم تكن مواجهة الأنظمة الفاسدة والمستعبدة للمسلمين والناهبة لحقوقهم جهادا، فما هو الجهاد إذاً؟!..

وإن لم يكن الاعتراض والاحتجاج على فتاوى مرجعيات باعوا أنفسهم لحكومات أذلت عباد الله ولأعداء الإسلام والمسلمين جهادا، فما هو الجهاد إذاً؟!..

فهل الجهاد هو في الدعوة إلى حق المحتل في قتل العراقي الذي يقاوم الاحتلال.. أم أن الجهاد هو في الدعوة إلى الانتخابات التي سوف تكرس وتشرعن الاحتلال في العراق؟!.. ولربما ترون الجهاد في المؤامرات والصراعات التي يحيكها العرب لبعضهم، وفي التآمر والتحالف مع عدو الإسلام ضد المسلمين!.

فيا شيخنا الجليل.. اتقي الله، رحمة بالإسلام ورأفة بالمسلمين.. ومن يريد الجهاد في سبيل الله يأخذ فتواه من كتاب الله وسنة رسوله الكريم

sameera@binrajab.com