شبكة منبر الحقيقة

مقالات

المشهد العراقي

 سامي الأخرس
عند الحديث عن العراق عليك أن تحدد اتجاه بوصلة تفكيرك لتعرف أين ستتجه ، وتتمكن من الخوض بأحد الاتجاهات الأصلية الطبيعية للبوصلة ، أو تتفرع للاتجاه الفرعي المتوالد من مؤشر البوصلة العراقية ، هذه البوصلة التي تشتت تركيزك الذهني ورؤيتك السياسية ، وتجعلك تقف حائراً من أين تبدأ وإلي أين ستتجه بطريقك .

هذه هي الحالة العراقية التي نقف أمامها اليوم ، كلما أردت أن تطرق أحد جزيئياتها تجد نفسك علي أبواب أخري تقتحمها بدون سابق إعداد أو استئذان ، فكلما أمسكت بأحد حكايات المشهد يقفز لذهنك سؤال في غاية الأهمية ، ويستنزف منك دقائق وأنت تفكر وتتأمل كيف تبدأ وتسرد المشهد بصورته المعقدة بتركيبها ، كيف ستبدأ بكتابة فصل النهاية .

نبدأ من حيث سننتهي ألا وهو الحالة السياسية التي يعيش في خضمها العراق في ظل حكومة المالكي التي شيدت وجودها وأركانها علي أنقاض حكومة الجعفري ، وكليهما صبغ تركيبته الوزارية بصبغة تنم عن قواعد حزبية وسياسية طائفية ، حيث تقوقعت الحكومتين بالمنطقة الخضراء وغضت البصر عن شلال الدم النازف من الجسد العراقي ، ولم تحرك ساكنا أمام هدم البناء الاجتماعي للشعب العراقي الذي تحول لبناء مفتت يحكمه العصبية الطائفية التي يقودها الشيعي والسني ، فمن سياسة تفجير المفخخات في الأسواق والشوارع وحصد عشرات بل مئات الأرواح البريئة يومياً ، إلي عمليات الخطف والتعذيب ومن ثم القتل ، وتدمير المساجد وحرق المصلين أحياء ، وشن الغارات المتبادلة علي الأحياء السكانية ، إلي جمع الجثث من شوارع العراق .. وجميعها يخضع لمصطلح الفاعل مجهول .

هذا جزء من المشهد الذي يدور علي ارض الرافدين الذي تحول لمستنقع موت للقوات الأمريكية التي تلاحقها حراب المقاومة الباسلة التي انطلقت منذ اليوم الأول لسقوط بغداد ، والتي أجبرت بفعل عملياتها الرائعة من  إسقاط رامسفيلد وهروب أيتامه لخارج العراق ، كما أسقطت النظرية العسكرية الأمريكية التي حاولت من خلالها إرهاب الشعوب وإخضاعها لإرادتها ، وباعتراف أقطاب هذه النظرية ومصمميها فإن الولايات المتحدة تتعرض لهزيمة قاسية علي أيدي أبطال المقاومة العراقية ، وهو ما دفع بوش الصغير للبحث عن حلول تبرر هروبه من جحيم العراق ن ومخرجا يحفظ له ما تبقي من ماء الوجه له ولقواته ومرتزقته وعملائه ، وهذا ما جسده بزيارته الأخيرة للأردن ، ولقاءه بعبد العزيز الحكيم وهو ما مثل حوار غير مباشر بين أمريكا وإيران متمثله بشخص الأخير (الحكيم ) ، وما لقاء الاثنان سوي سيناريو ينقذ رقاب أمريكا من هزيمة تسطر علي الأرض ، ويحجم الثور الطائفي الهائج المتمثل بإيران التي أشعلت فتيل ستحرق نفسها من خلاله بما إنها تمثل الجار الأكثر تأثرا بما يحدث علي الساحة العراقية ، وكذلك اضطهادها لشعب الأهواز الذي سيكون له دور فاعل في المعادلة السياسية كلما اشتدت أزمة الطائفية ، وهو الشعب الذي سيمثل الشوكة في حلق الثور الطائفي الهائج .

ومن صور المشهد العراقي المذابح التي ترتكبها قوات الاحتلال من خلال قصفها للمدنيين الآمنين في منازلهم ، وما جريمة الإسحاقي سوي أحد هذه الجرائم التي ترتكبها الطائرات والقوات الأمريكية ومرتزقتها ، وجريمة علي جبين العالم الديمقراطي ، ووصمة عار يدون في سجل الخاضعين الصامتين من الأمتين العربية والإسلامية وقوي التحرر العربي ، حيث أن هذه الصواريخ تنطلق من القواعد الجاثمة علي الأرض العربية المجاورة ، وهي نفس القواعد التي دمرت العراق واحتلت أرضه وتأمرت عليه ، وحتما ستدفع هذه الدول ثمناً باهظاً من خيانتها ، وستجني ثمار عمالتها قريبا ، وما يدلل علي ذلك الانقسامات الحادة علي الساحتين اللبنانية والفلسطينية ، ونتائج الانتخابات البحرينية الأخيرة ، وهي مدلولات سياسية ذات مغزى كبير ، ورسائل لجميع الدول العربية وخاصة التي شاركت بوأد العراق ، ولا زالت تشارك بقتل أطفال العراق واغتصاب نسائه .

فالمياه الراكدة بدأت تتحرك بفعل هيجان الثور الطائفي الديني والسياسي .

تتشابك حلقات المشهد العراقي الذي يشهد هجرة جماعية هرباً من جحيم الموت والفقر والقتل ، والظلم الذي يمارس ضد المواطن العراقي بطوائفه ومعتقداته وانتماءاته ، هربا من مجتمع يخضع لقوانين وأنظمة عصابات الموت المنظمة ، العراق الأمن القوي الغني بثرواته أضحي يخضع لقوانين العصور الوسطي تتحكم به شريعة الغاب ، فالمجتمع العراقي الذي أنتج أول قانون بشري علي سطح المعمورة ينظم الحياة المدنية ، حيث تحول مجتمع حمو رابي لمجتمع عشوائي تحكمه العشوائيات وقوانين العصابات المجردة من كل ما هو إنساني .

حيث فتحت الدول العربية والغربية أبوابها للمهاجرين العراقيين ، بنفس المشهد الذي فتحت به أبوابها للاجئ الفلسطيني سابقا وكدسته بمخيمات اللجوء وفرضت عليه قواعد وأنظمة خاصة ، أما العراقيين فاليوم تشرع لهم أبواب الدول العربية كنوع من الاستيعاب الاقتصادي والسياسي ، ولكن السؤال المفترض هل سيستمر هذا الاستيعاب ؟.